الشيخ مرتضى المطهري
[31]
بسمه تعالى
الفرق والمذاهب الإسلامية تجمع - مع اختلاف طفيف بينها - على حتمية انتصار قوى الحق والعدالة والسلام في صراعها مع قوى الباطل والظلم والعدوان في نهاية المطاف. وتؤمن بغد يشع فيه نور الإسلام على جميع ربوع المعمورة، وتسود فيه القيم الإنسانية سيادة تامة، ويتحقق ظهور المدينة الفاضلة والمجتمع الأمثل.
المسلمون يجمعون أيضا أن هذه الآمال الإنسانية الكبيرة ستتحقق على يد شخصية مقدسة أطلقت علها الروايات الإسلامية اسم "المهدي".
هذه الفكرة تنطلق أساسا من المفاهيم القرآنية التي
[32]
تؤكد على حتمية انتصار رسالة السماء(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) التوبة /33، الصف/9) وحتمية انتصار الصالحين(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) الأنبياءم105) والمتقين، وحتمية انهزام قوى الظلم والطغـيان (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، وتمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وحتمية بزوغ فجر غد مشرق سعيد على البشرية {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(الأعراف/128).
هذه الفكرة تنطوي قبل كل شيء على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعي وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل في المستقبل، وتزيل كل النظرات التشاؤمية بالنسبة لما تنتظره البشرية في آخر تطلعاتها.
انتظار الفرج
الأمل في تحقق هذا الهدف الإنساني العالمي، ورد في
[33]
الروايات الإسلامية بعبارة "انتظار الفرج"، واعتبر الإسلام هذا الانتظار عبادة من أفضل العبادات.
مبدأ انتظار الفرج يمكن استنباطه من مفهوم قرآني آخر هو "حرمة اليأس من روح الله"
المجموعة المؤمنة بالنصر الإلهي لا تفقد الأمل مهما قست الظروف ولا تسلم نفسها لليأس والعبث بأي حال من الأحوال.
مفهوم انتظار الفرج وعد اليأس من روح الله من المفاهيم الإسلامية الشاملة التي لا تختص بفرد معين أو جماعة محددة، فهو يحمل البشائر البشرية بأجمعها، ويحلم معه أيضا صفات محددة لهذه البشائر.
نوعان من الانتظار
انتظار الفرج، والتطلع إلى مستقبل افضل على نوعين:
الأول: انتظار مثمر بناء يبعث على الالتزام ويمنح القوة والتحرك، ومثل هذا الانتظار يمكنه أن يكون نوعاً من العبادة وطريقا لطلب الحق.
[34]
الثاني: انتظار محرم هدام يؤدي إلى الوقوع في الأغلال وإلى شل الطاقات، ويمكن اعتباره نوعا من "الإباحية" كما سنوضح ذلك في آخر هذا البحث.
هذان النوعان من الانتظار ينطلقان من انطباعين مختلفين عن ظهور المهدي الموعود. وهذان الانطباعان بدورهما ناشئان عن رؤيتين متباينتين للتطورات والتغيرات التاريخية. من هنا يلزمنا أن نلقي بعض الضوء على طبيعة مجرى الأحداث التاريخية.
شخصية المجتمع وطبيعته
هل التطورات التاريخية سلسلة من الأمور الطبيعية أم مجموعة من الأحداث التي تتحكم فيها الصدفة والاتفاق؟
الطبيعة خالية طبعا من الصدفة الواقعية، أي خالية من بروز أو حدوث ظاهرة ليست لها علة، لكن الصدفة موجودة بشكل نسبي قطعاً.
لو خرجت صباح أحد الأيام من بيتك، وشاهدت صديقاً لك لم تراه منذ سنين وهو يمر من أمام بيتك، فانك ستقول: أن هذا اللقاء حدث بطريق المصادفة والاتفاق.
[35]
لماذا؟.. لأن طبيعة الخروج من البيت - بشكل عام - لا تستلزم مثل هذا اللقاء. ولو استلزم ذلك لالتقيت بهذا الصديق كل يوم.
نحن أذن نطلق اسم "الصدفة" على كل ظاهرة لا تنسجم علتها مع الطبيعة العامة لعلة تلك الظاهرة.
ما يحدث بالصدفة لا يخضع لضوابط عامة، ولا لقوانين علمية، إذ أن القوانين العلمية تعبر عن الأحداث العامة للطبيعة.
نعود إلى السؤال الذي طرحناه آنفا.
رب قائل: أن أحداث التاريخ هي سلسلة من الصدف والاتفاقات، أي أنها لا تنضبط تحت قاعدة عامة.. هذه المقولة تعني : أن المجتمع عبارة عن مجموعة من أفراد ذوي طبائع فردية شخصية. وما يقوم به هؤلاء الأفراد من نشاطات نابعة من دوافعهم الفردية الشخصية، يؤدي إلى سلسلة من المصادفات والاتفاقات.. وهذه بدورها تؤدي إلى التغييرات التاريخية.
هذه نظرة..
والنظرة الأخرى ترى أن للمجتمع وجوده وشخصيته
[36]
المستقلة عن الأفراد، وله مسيرته التي تقتضيها طبيعته وشخصيته. فشخصية المجتمع هي غير شخصية الأفراد، والشخصية الواقعية والحقيقية للمجتمع تركيب مكون من التفاعل الثقافي للأفراد كسائر التراكيب المشهودة ي الطبيعة الحية والجامدة.
المجتمع - بناء على هذا - له طبيعته وقواعده وضوابطه الخاصة التي تؤطر مسيرته، وهذه المسيرة بكل ما فيها من أفعال وردود أفعال إنما تقوم على أساس قوانين كلية عامة.
لا يمكن أن تكون للتاريخ فلسفة ولا قواعد ولا ضوابط عامة، ولا بمقدوره أن يكون موضوعاً للفكر وأساساً للدراسة والتذكر والاعتبار ما لم يكن للمجتمع شخصية مستقلة وطبيعة خاصة.
وان افتقد المجتمع هذه الشخصية المستقلة تحول التاريخ إلى تعبير عن حياة مجموعة من الأفراد، وفقد عطاءه التربوي. وان كانت في مثل هذا التاريخ عظة وعبرة اقتصرت العظة والعبرة على الحياة الفردية ولا تتعداها إلى حياة الشعوب والجماعات.
فهمنا لا حداث التاريخ يقوم أذن على أساس فهمنا
[37]
لشخصية المجتمع وطبيعته.
القرآن والتاريخ
مسالة "انتظار الفرج" التي نريد معالجتها في هذا البحث دينية إسلامية، ذات جذور قرآنية، إضافة لما لها من طابع فلسفي واجتماعي. ينبغي على هذا أن نوضح رأي القرآن في المجتمع وأحداثه وتطوراته قبل البحث في مسألة الانتظار.
ليس ثم شك في أن القرآن الكريم يذكر التاريخ على أنه مصدر للتذكر والتفكر ولتلقي العبرة والدروس. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يدور حول طبيعة النظرة القرآنية في طرح العبر والدروس من حياة الأفراد أم من حياة الجماعات؟
وإذا كان القرآن يتجه في سرده للتاريخ إلى حياة الجماعات لا الأفراد.. فهل هذا يعني أن القرآن يعتبر المجتمع شخصية مستقلة مدركة، ذات قوة وشعور، ومستقلة عن حياة الأفراد؟
وإذا كان جواب السؤال الأخير إيجابيا، فهل نستطيع
[38]
أن نستنبط من القرآن الكريم السنن والقوانين التي تحكم المجتمعات؟
هذه المواضع تحتاج إلى دراسات وافية وتتطلب تدوين رسالات مستقلة(راجع تفسير الميزان)، الجزء 4 ص 103، الجزء 7 ص 333، الجزء 8 ص 85، الجزء 10 ص 71-73، الجزء 18ص 191.)
نستطيع هنا أن نشير بشكل موجز جدا إلى أن القرآن ينطلق في قسم من دروسه وعبره - على الأقل - من حياة الأمم والجماعات.
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(البقرة/134).
القرآن يطرح مرارا مسألة حياة الأمم وأجالها فيقول مثلا:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}(الأعراف/34).
القرآن الكريم يرفض بشدة النظرة العبثية إلى التاريخ
[39]
ويشدد على وجود قواعد ثابتة دائمة لمسيرة الأمم والجماعات فيقول:
{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}(فاطر43).
القرآن يشير إلى مسألة تربوية هامة في حقل القوانين التي تحكم التاريخ حين يؤكد أن البشرية هي التي ترسم بيدها مصيرها عن طريق ما تقوم به من أعمال صالحة أم طالحة.
وهذا يعني أن النظرية القرآنية تذهب إلى أن قوانين المسيرة البشرية ما هي إلاّ سلسلة من ردود الفعل لما تفعله الأقوام والجماعات.
من هنا نفهم أن النظرية القرآنية تؤكد على وجود قوانين ونواميس كونية ثابتة لمسيرة التاريخ، كما تؤكد في الوقت ذاته على دور الإنسان وحريته واختياره.
في القرآن الكريم آيات كثيرة بهذا الصدد، نذكر منها على سبيل المثال الآية 11 من سورة الرعد:
[40]
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }(الرعد/11).
تفسير تكامل التاريخ
المدرسة الفكرية التي تنظر إلى المجتمع باعتباره موجودا ذا شخصية مستقلة وطبيعة خاصة، لها نظرتها المعينة أيضا إلى تكامل المجتمع، ولها تفسيرها الخاص لطبيعة المسيرة البشرية والمسألة التكامل.
مر بنا أن القرآن الكريم يؤكد على شخصية المجتمع وواقعيته، كما يؤكد أيضا على الاتجاه الارتقائي التكاملي للمجتمع.
ومن جهة أخرى نعلم أن ثمة مدارس فكرية أخرى تذهب أيضا إلى أن مسيرة البشرية تسير سيراً ارتقائيا تفرضه حتمية التاريخ.
من هنا كان لزاما علينا أن نلقي الضوء على الفرق بني النظرة القرآنية في هذا المجال ونظرة بعض المدارس الفكرية الأخرى، وأن نفهم من خلال ذلك دور الإنسان ومسؤوليته لنستجلي من ذلك كله طبيعة" الانتظار الكبير" وكيفيته.
[41]
طريقتان مختلفتان
تكامل التاريخ يمكن تفسيره بطريقتين مختلفتين:
إحدى هاتين الطريقتين نطلق عليها اسم التفسير" الآلي" أو الديالكتيكي".
والطريق الأخرى: التفسير " الإنساني" أو "الفطري" ومن هاتين الطريقتين المتباينتين لتفسير تكامل التاريخ ينبثق اتجاهان فكريان مختلفان شكلان وماهية.
نستعرض فيما يلي هاتين الطريقتين بقدر ما يتعلق الموضوع بمسألة "الانتظار" و "الأمل" بالمستقبل لا أكثر.
الطريقة الديالكتيكية أو الآلية
هذه الطريقة تفسر تكامل التاريخ على أساس الصراع بين النقائض. وأولئك الذين يتخذون من هذه الطريقة وسيلة لتفسير تكامل المسيرة البشرية لا يقتصرون على التاريخ بل يفسرون كل اجزاء الطبيعة على هذا الأساس.
[42]
نشير فيما يلي بشكل موجز إلى التفسير الديالكتيكي للطبيعة باعتباره أساساً للتفسير الآلي للتاريخ.
يقوم التفسير الديالكتيكي للطبيعة على الأسس التالية:
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |